أبو حامد الغزالي
296
تهافت الفلاسفة
منه وما لا يصح ، كي لا يخرج الكلام عن مقصود هذا الكتاب ، واللّه تعالى الموفق للصواب .
--> « هناك مقامان » : أحدهما ، مقام عوام الخلق ، والحق فيه الاتباع ، والكف عن تفسير الظواهر رأسا ، والحذر عن إبداء التصريح ، بتأويل لم تصرح به الصحابة . . . إلخ . المقام الثاني ، بين النظار ، الذين اضطربت عقائدهم ، المأثورة المروية ، فينبغي أن يكون بحثهم بقدر الضرورة ، وتركهم الظاهر بضرورة البرهان القاطع . ولا ينبغي أن يكفر بعضهم بعضا بأن يراه غالطا ، فيما يعتقده برهانيا ، فإن ذلك ليس أمرا هينا سهل المدرك » . * * * ونعرف الغزالي يضع للإيمان معايير ومقاييس ، يتوسع فيها جد التوسع ، حتى لا يكاد يخرج عن دائرتها الرحبة الفسيحة ، إلا شواذ الشواذ ، من أولئك المكابرين المعاندين ، أو الزاعمين أن الرسل مصلحون اجتماعيون ، كغيرهم من الزعماء ، لم يؤيدوا من السماء ، ولم يوفدوا من رب العالمين ، وذلك حيث يقول في فيصل التفرقة أيضا : « لعلك تشتهى أن تعرف حد الكفر ، . . . وإني أعطيك علامة صحيحة ، تطردها وتعكسها ، لتتخذها مطمح نظرك ، وترعوى بسببها عن تكفير الفرق ، وتطويل اللسان في أهل الإسلام ، وإن اختلفت طرقهم ، ما داموا متمسكين بقول لا إله إلا اللّه ، محمّد رسول اللّه ، صادقين بها ، غير مناقضين لها ، فأقول : الكفر هو تكذيب الرسول - عليه الصلاة والسلام - في شئ مما جاء به ، والإيمان تصديقه في جميع ما جاء به . واعلم أن هذا الذي ذكرناه ، مع ظهوره ، تحته غور ، بل تحته كل الغور ، لأن كل فرقة ، تكفر مخالفها ، وتنسبه إلى تكذيب الرسول - عليه الصلاة والسلام - فالحنبلى يكذب الأشعري ، زاعما أنه كذب الرسول في إثبات « الفوق » للّه تعالى ، وفي الاستواء على العرش ، والأشعري يكفره ، زاعما أنه مشبه وكذب الرسول ، في أنه ليس كمثله شئ ، والأشعري يكذب المعتزلي ، زاعما أنه كذب الرسول ، في جواز رؤية اللّه تعالى ، وفي إثبات العلم والقدرة والصفات له ، والمعتزلي يكفر الأشعري ، زاعما أن إثبات الصفات ، تكثير للقدماء ، وتكذيب للرسول في التوحيد . ولا ينجيك من هذه الورطة ، إلا أن تعرف حد « التكذيب » و « التصديق » وحقيقتهما ، فينكشف لك غلو هذه الفرق ، وإسرافها في تكفير بعضها بعضا . قالوا : التصديق إنما يتطرق إلى الخبر ، بل إلى المخبر ، وحقيقته الاعتراف ، بوجود ما أخبر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - عن وجوده ، إلا أن للوجود خمس مراتب ، ولأجل الغفلة عنها ، نسبت كل فرقة مخالفها إلى التكذيب . فإن الوجود ، ذاتي ، وحسى ، وخيالي ، وعقلي ، وشبهي ، فمن اعترف بوجود ما أخبر الرسول